النقد الذاتي قديم بقدم الحضارة نفسها، أي بقدم الجماعة السياسية التي لم تعد مجرد قبيلة أو جماعة تربطها صلات القرابة. ففي بدايات الحضارة، ومع ظهور المدن الأولى والأماكن التي بدأ الناس يعيشون فيها بصورة دائمة، بدأت نفسية من يسكنون تلك الأماكن تتغير تدريجياً أيضاً. ففي المجتمعات البدوية، أي جماعات القبائل والعشائر، تكاد الهوية الفردية تتطابق مع الهوية الجماعية، وقد يصبح النقد الذاتي ضاراً حتى بالنسبة إلى الجماعة لأنه يميز الفرد عنها ويتركه وحيداً. أما في الحضارات الأولى، أي في المجتمعات التي يعيش فيها بصورة دائمة أشخاص ينتمون إلى قبائل وعائلات مختلفة، فأصبح النقد الذاتي ضرورياً، بل أداة من أدوات الحضارة.

من القبيلة إلى الجماعة السياسية: نشأة النقد الذاتي

الجماعة السياسية، أي الجماعة البشرية المستقرة بصورة دائمة أو الحضارة، هي بالتالي جماعة تضم أشخاصاً من قبائل وعائلات مختلفة، أصبح لا بد من ربطهم بفكرة ما أو بدين أو، ببساطة، بشعور بالانتماء. وفي المجتمعات البشرية الأولى كان هذا الانتماء يقوم عادة على لغة مشتركة أو شكل من أشكال الدين البدائي. ومع الحاجة إلى بقاء الجماعة ظهرت الهرمية والسلطات، ثم ظهرت بطبيعة الحال الأشكال الأولى للحكم والسلطة.

وفي حين كانت السلطة في المجتمعات البدوية أو القبلية تُمنح غالباً إلى الأكبر سناً أو الأقوى، أصبحت في المجتمعات السياسية الأولى شيئاً يُنظم وفق مجموعة من القواعد، ويمكن تغييره ويصبح خاضعاً للنقد. ولا شك أن النقد كان موجوداً داخل المجتمعات البدوية والقبلية من خلال أشكال مختلفة من التشاور، لكن في المجتمعات السياسية ظهرت للمرة الأولى الحاجة إلى النقد الذاتي.

ولو مارس الفرد النقد الذاتي داخل جماعة قبلية لا تكاد تعرف سوى الهوية الجماعية، فقد يُفهم ذلك أيضاً على أنه نقد للجماعة نفسها، وربما يؤدي إلى رد فعل بالغ الضرر على الفرد ذاته. ففي المجتمعات القبلية، ولا سيما البدوية، نادراً ما يكون الإنسان بمفرده، ويقضي معظم وقته معتمداً على بقية أفراد الجماعة. أما في المجتمعات البشرية المستقرة، أي الجماعات السياسية، فهناك فترات يبقى فيها الفرد «وحيداً مع نفسه». وفي تلك اللحظة تحديداً يبدأ في التفكير في أفعال الآخرين، ثم في النهاية في أفعاله هو أيضاً. وهذه الأشكال الأولى والبدائية من مساءلة الذات يمكن اعتبارها جذور النقد الذاتي في تاريخ تطور المجتمع الإنساني.

ينسب الفيلسوف اليوناني أفلاطون إلى سقراط في كتابه دفاع سقراط قوله: «الحياة التي لا تُفحص لا تستحق أن تُعاش.» وقد أولت الفلسفة القديمة اهتماماً كبيراً لتطوير التفكير النقدي، وكذلك للحاجة إلى النقد الذاتي. ومع تطور الفكر المسيحي ارتبط فحص الذات ونوع من النقد الذاتي بالأخلاق نفسها. وهكذا تطورت التوبة والاعتراف بوصفهما شكلين من أشكال الوعي بأفعال الإنسان نفسه.

وفي الإسلام، تشير «المحاسبة» إلى فحص الإنسان لنفسه، ومساءلة ذاته، وتحليل أفعاله وأفكاره ونواياه. وهي عملية ينظر فيها المؤمن إلى أفعاله نظرة نقدية ليتأكد مما إذا كانت منسجمة مع المبادئ الإلهية، بهدف تصحيح نقائصه وتطهير قلبه.

وقد وضع الفكر الأوروبي الحديث النقد الذاتي في مركز النقاشات السياسية. وأصبح النقد الذاتي منهجاً عقلانياً لا ينفصل عن التفكير نفسه، كما أصبح خطوة مهمة في تنفيذ البرامج والمشروعات في المجتمعات الغربية. ومن تعامل مع مشروعات أو برامج تمولها أو تنفذها مؤسسات ومنظمات أوروبية يعرف مدى أهمية المتابعة والتقييم. هنا يظهر النقد الذاتي كمنهج عقلاني في نشاط عملي: إذ يجري من خلال مراقبة نتائج فعل ما وتقييمها فحص مدى تحقيق أهداف المشروع، ثم التفكير في الخطوات اللاحقة.

ومن دون الدخول في تنظير فلسفي عميق، فإن النقد الذاتي هو عملية بسيطة يراجع فيها الفرد قراراته ثم يتصرف على أساس تلك المراجعة.

عندما يكون شخص آخر هو المذنب دائماً

عندما تغيب مراجعة الذات، نكون أمام شخص لا يملك الشجاعة لمواجهة نفسه، أي أمام شخص لا يستطيع الاعتراف بأنه أخطأ. وقد يصبح هؤلاء الأشخاص عنيفين في كثير من الأحيان، تحديداً لأنهم لم يحسموا صراعاتهم مع أنفسهم، ولذلك «يحاولون باستمرار تصفية حساباتهم مع الآخرين». والمجتمعات التي تتكون من أشخاص كهؤلاء تكون في كثير من الأحيان صدامية، وعاطفية في تصرفاتها، وتميل إلى تحميل الجميع ما عدا نفسها مسؤولية مصيرها أو الوضع الذي تعيش فيه. وهنا تظهر عمليات صناعة البطولة وصناعة الضحية: فالبطولة تكون ممكنة فقط في مواجهة الآخرين، لا في مواجهة الذات، بينما تُقدَّم الجماعة تقريباً دائماً باعتبارها «الضحية التعيسة للقوى الكبرى أو الجغرافيا السياسية أو أحد مراكز القوة الأجنبية».

وتقدم شعوب البلقان، وخصوصاً الصرب والبوشناق، أمثلة واضحة على ذلك. ففي سردية الضحية الصربية يُقدَّم الصرب باعتبارهم «ضحايا أبديين للشرق والغرب» و«عملة مساومة دائمة بين القوى الكبرى». أما لدى البوشناق فيتولى دور المذنب الأساسي تارة بلغراد، وتارة زغرب، وتارة تركيا، وتارة أوروبا. ونادراً جداً، بل يمكن القول إنه يكاد لا يحدث أبداً، أن يُبحث عن المشكلة داخل الذات أو داخل الجماعة نفسها، أو أن تتم مراجعة القرارات الذاتية بصورة جدية. وهنا تظهر مشكلة العلاقة بين النظرية والتطبيق.

ونتيجة للظواهر المذكورة، أي غياب النقد الذاتي، تنشأ أيضاً فجوة عميقة بين النظرية، أي القواعد المجردة، وبين التطبيق الفعلي لهذه القواعد. فإذا كان «شخص من الخارج مسؤولاً عن كل مشكلاتنا» وإذا كنا «نتعرض دائماً للقمع»، فلا يبقى إلا نوع من «الهروب إلى النظرية أو الطقوس». ويتجلى ذلك في المجتمع الصربي في وجود نظام متطور جداً من القواعد ونقاشات نظرية غنية في معظم المجالات العلمية، مع ضعف واضح في تنفيذ تلك القواعد والنتائج التي تخرج بها تلك النقاشات. ويخلق كل ذلك نوعاً من «الفصام الاجتماعي» الذي تُفكَّر وتُكتب فيه أشياء، بينما تُمارَس وتُطبَّق أشياء مختلفة تماماً.

وتظهر هذه الفجوة بوضوح خاص عند النظر إلى الصرب في بلغراد والبوشناق في السنجق، وخصوصاً البيئة الاجتماعية في نوفي بازار.

المعرفة من دون نقد ذاتي تتحول إلى جهل: من جامعة بلغراد إلى الجغرافيا السياسية

في الحالة الصربية ربما يكون غياب النقد الذاتي أكثر وضوحاً في بلغراد، وخصوصاً بين أساتذة الجامعات، ولا سيما أولئك ذوي التوجه اليميني الذين يحمّلون «القوى الأجنبية والجغرافيا السياسية التعيسة» مسؤولية الوضع الذي تجد فيه صربيا والشعب الصربي نفسيهما. وتضم جامعة بلغراد منظّرين ممتازين ذوي مؤلفات وببليوغرافيا واسعة. لكن عندما يتولى هؤلاء الأساتذة أنفسهم وظيفة أو دوراً عملياً، يتضح أن الإنتاج الأكاديمي الغزير قد يكون مجرد نوع من «الهروب إلى النظرية»، ولا يشكل في حد ذاته دليلاً على معرفة حقيقية بالمجال. وهنا تظهر أيضاً العلاقة المهمة بين النقد الذاتي والتنفيذ: فمن السهل نسبياً وصف الأحداث والظواهر نظرياً، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يجب تطبيق تلك القواعد.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك فلادان بيتروف، أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق بجامعة بلغراد ورئيس المحكمة الدستورية في صربيا. ومن حيث المبدأ يمتلك بيتروف ببليوغرافيا واسعة، كما ألّف كتاباً دراسياً في القانون الدستوري. ونحن نتحدث هنا عن مسيرة أكاديمية تمتد لعقود كان يفترض أن تنتج خبيراً دستورياً عالي الكفاءة أو، في الحد الأدنى، «حارساً للدستور» قادراً على أداء مهمته. وكان بيتروف أيضاً قاضياً في المحكمة الدستورية لسنوات طويلة، ولذلك كان من المتوقع أن تشكل هذه الخبرة ميزة كبيرة عند توليه رئاسة المؤسسة نفسها.

لكن بعد توليه رئاسة المحكمة الدستورية، يتحول بيتروف إلى حارس للرئيس فوتشيتش، بينما يصبح الدستور الصربي نفسه مسألة ثانوية. ومن خلال قراءة أعمق لأعماله في القانون الدستوري يمكن العثور على سياسة أكثر بكثير من القانون الدستوري، وخصوصاً سياسة القومية الصربية. فبصفته «خبيراً في القانون الدستوري» يدخل بيتروف في كتبه في تحليلات سياسية واضحة ويحمّل أطرافاً مختلفة مسؤولية وضع القانون الصربي، لكنه نادراً ما ينتقد الصرب أنفسهم. فمنذ دستور عام 1974 يبدو أن الجميع مسؤول عن مشكلات القضاء الصربي، باستثناء الصرب أنفسهم، وباستثناء بيتروف نفسه بصورة ساخرة.

وهذا الغياب الواضح للنقد الذاتي والاعتقاد بأنه لا يوجد شيء خاطئ لا في شعبه ولا في أفعاله أوصلا بيتروف إلى رئاسة المحكمة الدستورية. ويمكن فهم جوابه بأن «الدستور لم يتغير، لكن معاني بعض أجزاء الدستور تغيرت»، عندما يكون الحديث عن تطبيقه، بوصفه مثالاً على المشكلة التي يحاول هذا النص وصفها: فالمعرفة التي لا تراجع نفسها قد تتحول إلى جهل، كما أن المعرفة النظرية بالقواعد من دون استعداد لتطبيقها قد تتحول إلى ولاء سياسي.

ومن هذه الزاوية، لا يعود بيتروف، كرئيس للمحكمة الدستورية، مختلفاً كثيراً عن فاعل سياسي يفترض أن تخضع مصالحه نفسها للرقابة المؤسسية، وهو ما يضع بصورة مفارقة مسيرته الطويلة كخبير في القانون الدستوري موضع تساؤل. ومن المفارقات أيضاً أن جزءاً مهماً من الدستور الصربي مكرس لحقوق الإنسان والأقليات، وأن النظام الدستوري الذي تأسس عام 2006 يقوم على أفكار الحرية وسيادة القانون وحماية حقوق الإنسان. ومع ذلك يظهر بيتروف، بصفته رئيساً للمحكمة الدستورية، في برامج تلفزيونية مختلفة ويتحدث عن «إساءة استخدام حقوق الإنسان لأغراض سياسية»، وهو ما يمكن فهمه بوصفه سوء فهم عميقاً لطبيعة حقوق الإنسان ذاتها. وهكذا، ورغم إرثه النظري الكبير، يصبح بيتروف مثالاً على الفشل في تحويل القواعد الدستورية إلى ممارسة فعلية. وتكمن المفارقة في أن شخصاً يشغل منصب رئيس المحكمة الدستورية يمكن أن ينتهي به الأمر إلى الدفاع عن المصالح السياسية نفسها التي تتعارض مع المبادئ الدستورية التي يفترض بالمؤسسة حمايتها.

وهنا يظهر لماذا يُعد النقد الذاتي خاصية مهمة من خصائص الحضارة، ولماذا يمكن للإنسان من دونه أن ينتهي إلى إنكار القيم نفسها التي يفترض به الدفاع عنها والتي كرس لها، من حيث المبدأ، مسيرته كلها. وبالطبع فإن فلادان بيتروف ليس حالة منفردة، بل مجرد مثال واضح وراهن. ويمكن العثور على أمثلة مشابهة في مجالات علمية أخرى. ففي جامعة بلغراد يعمل أساتذة في الهندسة المعمارية بينما تواجه بلغراد في الوقت نفسه مشكلات خطيرة في التخطيط العمراني والهندسة المعمارية. ويعمل فيها أساتذة اقتصاد بينما توصف الرشوة والفساد بأنهما مشكلة نظامية وتظل المالية العامة مرتبطة بقوة بالقرارات السياسية. وتُنشر سنوياً عشرات الدراسات الجيدة في هندسة المناظر الطبيعية والغابات، بينما تُدمر الحدائق وتقطع الغابات وتتدهور. وتُنشر دراسات كثيرة في علم المياه، بينما تتعرض الأنهار لضغوط كبيرة. كما تُنشر أعداد هائلة من الدراسات حول العمليات السياسية الديمقراطية بينما يمكن للمؤسسات السياسية في الوقت نفسه أن تظهر علامات خطيرة على الضعف.

ويقوم عشرات الأساتذة يومياً بتعليم معلمي المستقبل، بينما قد يدعم بعض من ينتقلون من هذا النظام إلى مناصب سياسية سياسات تزيد من تهميش العاملين في التعليم. ويمكن الاستمرار طويلاً في تعداد هذه المفارقات، لكن من دون تطبيق النقد الذاتي في الحياة اليومية لا يمكن الوصول إلى حل جاد لأي مشكلة.

وربما يكون الدليل الأكثر وضوحاً على فكرة أن النقد الذاتي خاصية حضارية هو وجود «فوضى نظامية» في المركز نفسه الذي يزعم أنه حصن ومركز للعلم، أي بلغراد. فجامعة بلغراد، بمئات أعضاء هيئة التدريس وعشرات المعاهد وآلاف الأبحاث المنشورة، تصطدم بواقع قاسٍ عندما يُنظر إلى حالة المدينة التي تعمل فيها. فبعض مناطق بلغراد ما زالت لا تمتلك بنية ملائمة للصرف الصحي ومياه الشرب، بينما توجد على بعد بضعة كيلومترات فقط من رئاسة الجامعة أحياء لم تحصل حتى بعد عقود من وجودها على بنية أساسية منظمة. ويُصرف جزء كبير من مياه الصرف في بلغراد إلى نهري سافا والدانوب من دون معالجة مناسبة، بينما تبقى المساحات الخضراء داخل بلغراد وحولها تحت ضغط دائم.

وهذا بالضبط دليل مهم على أن النقد الذاتي خاصية حضارية: فمن دونه يصعب علينا حتى أن نتحدث عن أنفسنا بوصفنا مجتمعاً متحضراً، ناهيك عن تقديم مدينة ما باعتبارها «مدينة أوروبية كبرى تضم عدة ملايين من السكان». وبدلاً من معالجة المشكلات وتحليلها بأسلوب أكاديمي وعلمي، يجري تفسيرها مرة أخرى عبر تحميل شخص آخر المسؤولية.

أما بالنسبة إلى «نخبة بلغراد»، أي ما يسمى «صربيا الثانية»، فيصبح الصرب الذين يعيشون خارج بلغراد هم المسؤولين، ويتكرر النمط نفسه: بدلاً من البحث عن المشكلة داخل الصفوف نفسها، يُبحث عن مذنب خارجي. وهكذا تظهر حالة غريبة. ففي مواجهة القومية الصربية الكبرى، أي الفكرة التي تسعى فيها الدولة الصربية إلى الهيمنة على فضاء يوغوسلافيا السابقة، تظهر الآن بلغراد، بمنطق مشابه، كمدينة تسعى إلى الهيمنة على المنطقة. إذن المبدأ لا يتغير؛ الذي يتغير فقط هو من يجسده.

وبدلاً من مواجهة القومية الصربية بفكرة صربيا تتوجه إلى داخلها وتحاول تنظيم مجتمعها وتحديثه، تظهر فكرة بلغراد التي تريد الهيمنة على بقية مدن المنطقة. وفي هذه المفارقة تقارن مرتبة جامعة بلغراد في تصنيف شنغهاي المعروف بمراتب جامعات زغرب أو سراييفو أو ليوبليانا، وهو أمر غير منطقي في ذاته. ومن حيث التاريخ والحجم، ينبغي مقارنة جامعة بلغراد بجامعات فيينا وبراغ وبودابست ووارسو وصوفيا وأثينا.

وعلى خلاف أفكار المؤرخة المعروفة لاتينكا بيروفيتش حول ضرورة أن تتجه صربيا إلى نفسها وأن تكون بلغراد قوة تدفع صربيا نحو تحديثها الخاص، تظهر الآن «صربيا ثانية» تضع بلغراد في مركز فضاء يوغوسلافيا السابقة. وبحكم حجمها وقوتها الاقتصادية والسياسية فإن بلغراد تحتل بالفعل موقعاً مهماً، لكن المشكلة في هذا النهج تكمن تحديداً هنا.

أما الحركة الطلابية الحالية في صربيا والأساتذة الذين تجمعوا حولها فيمثلون تصوراً يريد أن يكون نقيض النموذج القومي للدولة، لكنه يعيد إنتاج النمط نفسه في بعض عناصره. وهناك أمثلة في مجالات أخرى أيضاً. فمثلاً يجري مقارنة عدد السياح الذين يزورون بلغراد بمدن يوغوسلافيا السابقة، بينما تُتجنب المقارنات مع بودابست وبوخارست وبراغ وصوفيا، وهي المدن التي ينبغي، بحسب منطق هذا الطرح، أن تُقارَن بلغراد بها فعلياً.

وفي كل هذه المقارنات تظهر المشكلة التالية: بسبب غياب النقد الذاتي وبسبب نوع من الثقة التي تُبنى من خلال المقارنة مع جامعات ومراكز يوغوسلافيا السابقة، تتجنب جامعة بلغراد مؤسسات من «فئتها نفسها»، مثل جامعات براغ وبودابست وبوخارست وصوفيا، ثم تنتقل مباشرة إلى «قياس القوة» مع المراكز الأكاديمية في باريس وموسكو وبرلين وروما وبكين أو مع جامعات بريطانيا والولايات المتحدة. وعندها تواجه مراكز أكاديمية أكبر وأقوى بكثير، فتعود التفسيرات بأن الجميع ضد بلغراد أو أنهم «يغارون من الذكاء الصربي».

ويمكن ملاحظة نمط مشابه أيضاً في العلاقات الجيوسياسية لصربيا مع الدول الأخرى. فصربيا تسعى، وتنجح أحياناً، في تحقيق موقع أكثر هيمنة تجاه دول يوغوسلافيا السابقة. وينتج عن ذلك نوع من الثقة، ثم يجري تجنب «قياس القوة» مع المجر ورومانيا وبلغاريا والتشيك وسلوفاكيا، والانتقال مباشرة إلى الولايات المتحدة وروسيا والصين. ويعود النمط نفسه: غياب الوعي بالحدود الذاتية وغياب النقد الذاتي يعيداننا إلى الحلقة المفرغة لـ«المؤامرة العالمية ضد الصرب وصربيا» و«الظروف الجيوسياسية التعيسة» التي يُزعم أن صربيا عالقة فيها.

وفي الوقت نفسه يكاد لا يُعترف بأن صربيا نفسها دخلت في بعض الصراعات الجيوسياسية، غالباً من دون تقدير واقعي بما يكفي لقوتها وحدودها. ولهذا فإن النقد الذاتي، إضافة إلى كونه خاصية حضارية، يعد مهارة عملية للبقاء: فهو يساعد الإنسان على إدراك قدراته وحدوده ويمنعه من دخول معارك لا يستطيع الفوز بها.

فائض في القواعد ونقص في التطبيق

وفي ختام هذا الجزء يمكن الإشارة أيضاً إلى العدد الهائل من القوانين والقواعد التي تبنتها صربيا خلال عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. فمن الناحية المعيارية، أصبحت صربيا متوافقة إلى حد كبير، لكن كثيراً من هذه القواعد ما زال يُطبق بصورة غير كافية في الواقع. ويمكن ملاحظة ذلك في القضاء وسيادة القانون وحرية الإعلام والتعبير، وخصوصاً في التعددية السياسية حيث يقوم حزب واحد، عملياً، بخنق أشكال مختلفة من العمل المعارض منذ أكثر من عقد.

إذن لا تعاني صربيا من نقص في القواعد، بل من فائض في المعيارية مقارنة بقدرة مؤسساتها على تنفيذها. فمن الأسهل بكثير إنتاج قانون من إنتاج مجتمع مستعد لقبول نتائجه. ولهذا لا توجد المشكلة في بداية القاعدة، بل في نهايتها، في اللحظة التي يفترض أن تتحول فيها القاعدة إلى سلوك.

وتؤدي هذه الفجوة إلى إنشاء مجتمع يفقد فيه القانون سلطته، ويصبح الاستثناء أهم من القاعدة، وتحل العلاقات الشخصية محل المؤسسات، وتُنقل المسؤولية إلى الآخرين بدلاً من الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها. وتكمن مشكلة خاصة تحديداً في غياب النقد الذاتي: فبدلاً من طرح سؤال «أين أخطأنا وما الذي يجب أن نغيره؟» يجري في كثير من الأحيان البحث عن عذر أو مذنب أو ظرف يفسر الفشل. وبهذه الطريقة يمكن تكرار الخطأ نفسه لسنوات، بينما تُنتج حوله تحليلات واستراتيجيات ونظريات جديدة من دون أي تغير حقيقي في السلوك.

ولهذا فإن الحل لا يكمن في إنتاج المزيد من القواعد، بل في ثقافة تطبيقها والمسؤولية والنقد الذاتي، حيث لا يكون الاعتراف بالخطأ هزيمة، بل شرطاً للتقدم. ولا يُقاس النجاح بمدى جودة تفسيرنا لما ينبغي فعله، بل بمدى استعدادنا لتنفيذ ما لا يعمل واختباره وتغييره.

المحاسبة التي لم تحدث: الهروب إلى الطقوس والسرد

في حالة البوشناق في السنجق، يظهر غياب النقد الذاتي بوضوح خاص في المسائل الدينية وفي عمل رجال الدين. ففي التقاليد الإسلامية يوجد مفهوم قوي للمحاسبة، أي محاسبة الإنسان لنفسه. فالإنسان ليس مدعواً فقط إلى رؤية أخطاء الآخرين، بل إلى مراجعة أفعاله ونواياه وقراراته باستمرار. والمحاسبة تعني الاستعداد لطرح أسئلة غير مريحة على النفس: أين أخطأت؟ ماذا كان يمكن أن أفعل بصورة مختلفة؟ وهل كانت أفعالي صحيحة فعلاً؟ ولا تكمن جوهرها في جلد الذات، بل في القدرة على رؤية الخطأ الشخصي قبل البدء في البحث عنه لدى الآخرين. وبهذا المعنى يصبح النقد الذاتي شكلاً من أشكال المسؤولية الشخصية: فمن لا يستطيع مراجعة نفسه سيجد صعوبة أيضاً في إصلاح المجتمع من حوله. وهكذا تصبح المحاسبة نوعاً من الرقابة الداخلية التي تمنع الإنسان من الاختباء خلف أيديولوجيته أو جماعته أو سلطته أو معتقداته.

أما رجال الدين في السنجق، وعلى خلاف أساتذة بلغراد الذين «يهربون إلى النظرية»، فيختارون «الهروب إلى الطقوس والسرد». ويتجلى هذا «الهروب إلى الطقوس» في العدد الكبير من الدروس والخطب والمحاضرات التي يقدمها رجال الدين، مقابل مستوى منخفض من تطبيق تلك القواعد في الواقع. وهنا أيضاً يمثل النقد الذاتي مسألة أساسية، ولا سيما بالنسبة إلى رجال الدين الذين، من دون أن يحاسبوا أنفسهم، يقررون «مواجهة» فساد أخلاق الجماعة ومحاولة إصلاحها قبل أن يصلحوا أنفسهم. والنتيجة، بطبيعة الحال، تكون عكس المراد.

وأفضل مثال على ذلك هو مولود دوديتش، المفتي ورئيس المنظمة التي تعرف نفسها باسم مشيخة الجماعة الإسلامية في صربيا، والتي ما زالت غير قادرة على حسم وضعها القانوني في جمهورية صربيا. وعند النظر إلى سيرته وأطروحته للدكتوراه نجد أن دوديتش اشتغل على التربية الإسلامية والبيداغوجيا، وأن أحد أهم الكتب التي نشرها هو إلمحال للمستوى الأول من التعليم الديني. إذن ينصب اهتمام دوديتش على التربية والتعليم الإسلامي للأطفال، بينما يُنظر إليه في خطاباته العامة بوصفه تقليدياً ولا يمكن وضعه ضمن رجال الدين القريبين من السلفية. ومن الناحية الرسمية، يُعد دوديتش مرجعاً في الأوساط الدينية في البوسنة والهرسك وكذلك في السنجق. وعند النظر إلى مداخلاته العامة نجد أنه تجنب عموماً الدخول في سجالات طائفية، وتمسك بالإسلام التقليدي المرتبط تاريخياً بالسنجق والبوسنة والهرسك. ويمتلك دوديتش كل الشروط اللازمة ليكون مفتياً ناجحاً ويدير منظمة إسلامية بكفاءة.

لكن بعد وفاة معمر زكورليتش، الزعيم السابق الذي لم يكن له منافس داخل الجماعة الإسلامية، بدأ مولود دوديتش في بناء علاقة وثيقة جداً، بل وخاضعة، مع السلطات في بلغراد، وبشكل أدق مع ألكسندر فوتشيتش، رئيس الدولة آنذاك. وعلى خلاف شعار معمر زكورليتش الذي كان يتحدث عن «الشراكة لا التبعية»، يتحول دوديتش إلى «متملق حقيقي» للرئيس. وفي معظم خطاباته العامة، بما في ذلك التصريحات الأخيرة، يتحدث بإيجابية شديدة عن سياسة ألكسندر فوتشيتش، ويتجاهل في الوقت نفسه المبادئ الأخلاقية والدينية التي يفترض أن توجه رجل الدين، وخصوصاً من يعتبر نفسه مفتياً.

ولا ينبغي للمفتي، بوصفه سلطة دينية، أن يكون شخصاً يمدح رئيس الدولة علناً بسبب قوته السياسية، لأن الإسلام يطلب من العلماء الحفاظ على استقلال ضميرهم وكلمتهم أمام السلطة. وفي التقاليد الإسلامية تقع على العالم مسؤولية قول الحقيقة ونصح الحكام، لا منحهم الشرعية من خلال التملق. وهناك أحاديث تحذر من خطر التقرب من الحكام لتحقيق منفعة شخصية، كما أن الفكر الإسلامي الكلاسيكي قدّر بصورة خاصة العالم الذي لا يغير معاييره في الحقيقة والعدالة أمام أصحاب القوة. وهذا لا يعني أن المفتي يجب أن يكون ضد الرئيس أو أن يتجاهل ما تفعله الحكومة من أمور جيدة؛ بل يمكنه الاعتراف علناً بفعل جيد محدد. لكن مدح شخص الحاكم، وخصوصاً عندما يصبح متكرراً وغير نقدي، يمكن بسهولة أن يحول السلطة الدينية إلى امتداد للسلطة السياسية. ومهمة المفتي ليست أن يكون متحدثاً باسم السلطة، بل أن يكون الضمير الأخلاقي للمجتمع: أن يعترف بالخير، وأن يشير إلى الظلم، وأن يبقى عادلاً تجاه الجميع بصرف النظر عن مناصبهم.

وهنا تحديداً نصل إلى التناقض بين تعليم دوديتش الرسمي وبين ما يقوم به في الواقع. ويصبح من المشروع التساؤل عن القيمة الحقيقية لمعرفته بالتربية الإسلامية والأخلاقية، وكيف يمكنه أن يكتب كتباً عن تربية الأطفال إذا كان يتصرف بما يخالف مبادئ الإسلام. لكن دوديتش ليس استثناء. فللأسف يتصرف كثير من رجال الدين في السنجق بطريقة مشابهة. وهنا نرى جوهر «الهروب إلى الطقوس والسرد»: إنهم بارعون جداً في الوعظ وإصدار الأحكام الأخلاقية، لكن تطبيقهم الشخصي لما يقولونه يبقى موضع شك.

ووفقاً لبعض الدراسات، يعمل في المنطقة عدة مئات من الأشخاص الذين تخرجوا من مدارس دينية ثانوية أو حتى من كليات دينية. وهذا رقم كبير جداً مقارنة بإجمالي عدد السكان المسلمين في السنجق. كما يتناقض مع انتشار واسع لممارسات اجتماعية يمكن اعتبارها «غير إسلامية». وهكذا يُختزل الإسلام في الطقوس والعبادات داخل المساجد أو في المواعظ الماهرة عن السلوك الأخلاقي، بينما يعود الناس بعد انتهاء تلك الطقوس إلى قواعدهم الخاصة. وللأسف يحدث شيء مشابه لدى رجال الدين أنفسهم. فقد يتحدث دوديتش أو رجل دين آخر بصورة نقدية من حيث المبدأ عن العلاقة بين العلماء والسلطة، بينما يظهر في الواقع بسهولة «متملقون سياسيون». وهذا «الهروب إلى الطقوس» هو نتيجة غياب المحاسبة، أي غياب مراجعة الإنسان لنفسه. وعندما يتعذر تطبيق القواعد، يجري الهروب إلى الطقوس والنقاشات النظرية والنقد الأخلاقي للآخرين.

ويمكن رؤية أكثر الآثار السلبية وضوحاً لرجال الدين المسلمين في السنجق في العدد الكبير من مكاتب المراهنات والكازينوهات التي تعمل بنجاح في نوفي بازار، بينما يستطيع جزء كبير من السكان في الوقت نفسه ممارسة القمار وأداء جميع الشعائر الإسلامية من دون أن يروا تناقضاً في ذلك. وعلى الرغم من امتلاء المساجد ووجود مئات المحاضرات الدينية، تبقى نوفي بازار مكاناً لا يطبق، من حيث الجوهر، المبادئ الأخلاقية الإسلامية. فالفساد، وتفضيل العلاقات الشخصية على العدالة، والنفاق السياسي، والغيبة والتشهير، وعدم احترام كرامة الآخرين، والمادية، وتحويل الدين إلى أداة للمصلحة الشخصية أو السياسية، كلها ظواهر منتشرة في نوفي بازار. والإسلام لا يقيس الإنسان بعدد المرات التي يتحدث فيها عن الدين، بل أيضاً بمدى عدله ونزاهته ومسؤوليته تجاه الآخرين. ولذلك يكون استخدام اللغة الدينية لإخفاء العيوب الشخصية أو تبرير مصالح جماعة ما أمراً شديد الخطورة.

وتبدأ المحاسبة الحقيقية تحديداً عندما نكون مستعدين للاعتراف بأن المشكلة ليست دائماً «عند الآخرين»، بل توجد أيضاً في داخلنا نحن, لأن المجتمع الذي يبحث باستمرار عن أخطاء الآخرين ولا يراجع أخطاءه الخاصة يصعب عليه الحديث بجدية عن أخلاق إسلامية حقيقية. وفي الطرف الآخر قد يحمل رجال الدين ممثلي البوشناق السياسيين في السنجق مسؤولية جميع المشكلات التي يواجهها السكان، من دون تغيير سلوكهم الأخلاقي، بل بمجرد نقل مسؤولية مجتمعهم إلى شخص آخر.

وفي حالة نوفي بازار وسكانها يظهر ذلك أيضاً في نظرتهم إلى حجم مدينتهم وأهميتها. فكثيراً ما تُسمع انتقادات شديدة لسكان أماكن أخرى في السنجق يعتبرهم سكان نوفي بازار «غير متعلمين بما يكفي أو متخلفين». وتقارن المؤسسات الثقافية والتعليمية بمؤسسات في مدن أصغر من نوفي بازار عدة مرات، بينما يُوصف القادمون من هضبة بيشتر بأنهم متوحشون وغير جديرين بالحياة في المدينة. وفي هذه «المواجهة بين بازار وبقية مناطق السنجق» تنشأ ثقة غير واقعية. وبدلاً من مقارنة نوفي بازار بمدن مماثلة لها في الحجم والتطور داخل الدولة والمنطقة، مثل أوجيتسه وتشاتشاك ونيش وزرنيانين وزينيتسا وتوزلا وأوسييك، يفضل سكان بازار «قياس أنفسهم» ببلغراد أو سراييفو، وهي مقارنة يخسرونها حتماً.

وهكذا توضع «الجماعة الإسلامية الموحدة التعيسة في السنجق» رسمياً تحت إدارة سراييفو، بينما تقرر بلغراد وضعها القانوني، ما يعني خسارة هذا النزاع تلقائياً. وينتقل دوديتش من كونه واحداً من أكبر الموالين للدولة والرئيس إلى شخص متهم بارتكاب «خيانة عظمى» لأنه ينقل مركز الجماعة الإسلامية إلى سراييفو. وهكذا يصبح الوضع القانوني لـ«الجماعة الإسلامية الموحدة» غير واضح، ومعه أيضاً الوضع الوظيفي لجميع العاملين في المنظمة.

ويظهر هذا المثال بوضوح كيف يمكن لغياب المحاسبة أو النقد الذاتي أن يؤدي إلى عواقب خطيرة، وكيف أن النقد الذاتي يمثل فعلاً خاصية حضارية. فعندما يغيب يمكن أن تضيع خصائص حضارية أخرى أيضاً، حتى الوضع القانوني لمنظمة ما. وفي هذه الحالة المحددة، بدلاً من التساؤل عن حجم مسؤولية الأشخاص الذين يديرون المنظمة، يُعاد اللجوء إلى التفسير القديم: «هياكل UDBA»، وبلغراد بوصفها العدو الدائم للبوشناق، ورغبتها المزعومة في إخضاع المسلمين في السنجق أو دفعهم إلى الهجرة.

من العدو الحقيقي إلى الذريعة: كيف يصبح غياب النقد الذاتي أكبر مشكلاتنا؟

للتوضيح، فإن مفهوم «العدو الخارجي» في السرديتين الصربية والبوشناقية ليس مفهوماً مختلقاً بالكامل ولا يفتقر إلى الأساس. فالقوى الكبرى لم تكن دائماً رحيمة بصربيا عبر التاريخ، كما أن بلغراد لم تكن دائماً رحيمة بالمسلمين، أي بالبوشناق في السنجق. بل على العكس، شهدت السنوات المئة الماضية خططاً وسياسات ومحاولات عديدة أدت إلى الهجرة أو ممارسة الضغط على سكان مسلمين في مناطق عاشوا فيها لقرون. وهذه حقائق تاريخية لا ينبغي التقليل منها ولا إخفاؤها.

لكن هنا تحديداً يبدأ موضوع هذا النص. تظهر المشكلة عندما يتحول عدو حقيقي إلى تفسير شامل لكل إخفاقاتنا الذاتية. وعندها تتوقف المظلمة التاريخية عن كونها موضوعاً للتحليل وتتحول إلى ذريعة. فإذا كان كل فشل سببه بلغراد أو الغرب أو الشرق أو القوى الكبرى أو الجيران أو الخصوم السياسيون أو «بنية أجنبية» ما، فلن تكون هناك حاجة لطرح السؤال غير المريح: ما الذي أخطأنا فيه نحن؟ وينطبق الأمر نفسه على السردية الصربية. فإذا كان كل فشل لصربيا سببه مراكز قوى أجنبية أو مؤامرات أو ضغوط أو مصالح جيوسياسية، فلن تحتاج صربيا أيضاً إلى مراجعة قراراتها ومؤسساتها ونخبها السياسية وأخطائها الخاصة.

وهنا لا نتحدث عن إنكار وجود العدو. بل نتحدث عن أن وجود عدو لا يعفي الجماعة من واجب النظر إلى نفسها في المرآة. وحتى عندما يكون الضغط الخارجي حقيقياً، تبقى مسألة المسؤولية الداخلية قائمة. فالنقد الذاتي لا يعني إنكار الظلم التاريخي، بل يعني رفض استخدامه لتفسير كل ما يحدث لنا.

ويؤدي غياب هذا النوع من النقد الذاتي إلى حلقة مفرغة قد تستمر عقوداً. فبدلاً من الاعتراف بالخطأ وتصحيحه، تُنتج نظرية جديدة تشرح لماذا كان الخطأ «حتمياً». وبدلاً من تغيير السلوك، تُعتمد وثيقة جديدة. وبدلاً من بناء مؤسسة فعالة، يصدر نظام جديد. وبدلاً من تحمل المسؤولية، يُعثر على مذنب جديد. وهكذا ينشأ فائض من القواعد مقرون بضعف في القدرة على التنفيذ: ينتج المجتمع المزيد والمزيد من القواعد والتفسيرات والاستراتيجيات والوثائق والبرامج والطقوس، لكنه ينتج أقل فأقل من التغيير الحقيقي في السلوك.

وهكذا نصل من جديد إلى ما سبق أن وصفناه بأنه «الهروب إلى النظرية والطقوس». فعندما لا تستطيع النظرية تغيير الواقع، تُنتج المزيد من النظريات. وعندما لا يغير الدين السلوك، تُنتج المزيد من الطقوس. وعندما لا تعمل المؤسسات، تُنتج قواعد جديدة. وعندما لا تريد الجماعة الاعتراف بمسؤوليتها، تُنتج قصة جديدة عن العدو. وهكذا لا تُحل المشكلة، بل تنتقل ببساطة من سردية إلى أخرى.

وأخطر جزء في هذه العملية هو أنها تصبح مع مرور الوقت جزءاً من علم النفس الجماعي. فالأجيال ترث تفسيرات جاهزة: «هم المذنبون»، «هم دائماً يفعلون بنا ذلك»، «نحن الضحايا»، «لو لم يكونوا موجودين لكان كل شيء مختلفاً». وقد تكون بعض هذه التفسيرات مبررة تاريخياً بصورة كاملة. لكن إذا أصبحت هي التفسيرات الوحيدة، فإن الجماعة تتوقف عن التعلم من أخطائها. والمجتمع الذي لا يتعلم من أخطائه يمكن أن يكرر الأنماط نفسها لعقود، ولكن بأسماء جديدة ومؤسسات جديدة وأعلام جديدة.

ولهذا فإن النقد الذاتي أصعب بكثير من اتهام العدو. فمن السهل العثور على عدو، خصوصاً عندما توجد أدلة تاريخية على وجوده. أما الاعتراف بأن جزءاً من المشكلة نشأ في داخلنا نحن فهو أصعب بكثير. وتبدأ المحاسبة الحقيقية والنقد الذاتي الحقيقي عند هذه النقطة تحديداً: ليس عندما نتوقف عن رؤية مسؤولية الآخرين، بل عندما نصبح أخيراً قادرين على رؤية مسؤوليتنا نحن أيضاً إلى جانبها بوضوح.

وإذا لم تنكسر هذه الحلقة، سنبقى عالقين بين الصدمة التاريخية والتفسير النظري والرد الطقوسي والفشل العملي. ويبقى العدو نفسه حتى لو تغير اسمه، ونبقى نحن كما نحن لأننا لم نراجع أنفسنا بجدية كافية. وعندها لا تعود المشكلة فقط فيما يفعله الآخرون بنا. بل تصبح المشكلة أننا لا نتعلم شيئاً مما يفعله الآخرون بنا.

الحضارة تبدأ بالاعتراف بالخطأ

في النهاية، لا يكمن الخروج من هذه الحلقة المفرغة في نظرية كبرى جديدة، ولا في بيان جديد، ولا في مواجهة جديدة مع من هم أقوى منا. فإذا أنتج كل فشل عذراً جديداً بدلاً من درس جديد، فهذا يعني أن جزءاً من المشكلة موجود فينا نحن أيضاً. ولهذا فإن أول فعل حقيقي للشجاعة هو المحاسبة، أي النقد الذاتي: قبل أن يلوم الإنسان العالم، يراجع نقاط ضعفه؛ وقبل أن يهاجم خصمه، يراجع استراتيجيته؛ وقبل أن يكتب نظرية جديدة، يتحقق مما نجح فعلاً من نظريته السابقة.

ومن دون ذلك تتحول النظرية إلى ملجأ من المسؤولية، وتصبح البطولة مجرد اسم أجمل لإهدار القوة بلا عقل. نحن لا نحتاج إلى مجتمع يحاول دائماً أن يثبت أنه على حق، بل إلى مجتمع قادر على الاعتراف بأنه أخطأ، وأن يتعلم شيئاً من الهزيمة، وأن يتصرف بصورة مختلفة في المرة المقبلة. لأن أخطر هزيمة ليست أن تخسر أمام من هو أقوى منك، بل أن تفقد القدرة على التعلم من الهزيمة.

ولهذا فإن النقد الذاتي ليس علامة ضعف ولا ترفاً يخص المجتمعات المتقدمة، بل هو إحدى الخصائص الأساسية للحضارة. فهو يتيح للفرد والمؤسسة والمجتمع أن يدركوا الخطأ ويصححوه ويواصلوا الطريق. وحيث يختفي النقد الذاتي يتحول الخطأ إلى فخر، والفشل إلى تبرير، والصراع إلى طريقة حياة. وعندما يفقد الإنسان القدرة على مراجعة نفسه، فإنه لا يفقد فقط إمكانية التقدم، بل يبدأ في الخروج من منطق الحضارة نفسه. لأن الحضارة تقوم تحديداً على قدرتنا على إدراك أخطائنا وتصحيحها وتحويلها إلى خبرة لا إلى قدر.