تترك درجات الحرارة المرتفعة والفيضانات المفاجئة وفترات الجفاف الطويلة ودورات التجمد والذوبان والتلوث والتغيرات الحادة في الرطوبة آثارًا متزايدة العمق على الحجارة والواجهات والتربة والمواقع الأثرية في مختلف أنحاء صربيا. ويدخل التراث الثقافي الثابت مرحلة حرجة لم يعد فيها تغير المناخ مجرد تهديد بعيد، بل أصبح عاملًا مباشرًا يؤثر في بقائه المادي.
قد يبدو الشق في جدار كنيسة من العصور الوسطى مجرد أثر غير ضار لمرور الزمن. وقد تبدو القشرة السوداء على الحجر طبقة أخرى من طبقات العمر، بينما قد يبدو الطحلب على أحد النصب تزيينًا طبيعيًا جميلًا. لكن وراء هذه المظاهر عمليات فيزيائية وكيميائية محددة وشديدة التدمير. فالحرارة تؤدي إلى تمدد المواد وانكماشها، ويتسرب الماء إلى البنية المسامية ثم يتجمد مولدًا ضغطًا داخليًا، وتتبلور الأملاح تحت السطح، في حين يغير الجفاف استقرار التربة الواقعة تحت الأساسات نفسها.
ولهذا تنتقل مسألة حماية المعالم الثقافية من المجال التقليدي لتاريخ الفن والترميم إلى مجالات فيزياء المواد والجيولوجيا التطبيقية وعلم المناخ والعلوم البيئية.
وتنطلق دراسة تأثير الظواهر المناخية المتطرفة على التراث الثقافي في صربيا من هذه العلاقة الوثيقة، إذ تربط بين التدهور الفيزيائي والكيميائي للمواد والسياسات المنهجية للتكيف مع تغير المناخ. وينصب التركيز على التراث الثابت، من المواقع الأثرية المفتوحة والعمارة الدينية والمعالم إلى المناطق الحضرية التاريخية، وكذلك على الطريقة التي تؤثر بها الدورات الهيدرولوجية المتغيرة والظواهر الجوية المتطرفة في المواد التي شُيدت منها هذه المواقع والمنشآت.
فيزياء التدهور: ماذا يحدث داخل المواد؟
لا يمثل ارتفاع متوسط درجات الحرارة سوى جزء من المشكلة. أما بالنسبة إلى مواد البناء نفسها، فإن التقلبات الحادة في درجات الحرارة أكثر خطورة بكثير. تتمدد الحجارة والملاط والخشب والطوب عند ارتفاع الحرارة وتنكمش عندما تنخفض. وعندما تتكرر هذه الدورة كثيرًا، تنشأ إجهادات ميكانيكية تؤدي في المنشآت المتضررة أصلًا إلى تشققات مجهرية وتفتت وانفصال الطبقات السطحية. وفي المواد العضوية، تسرّع الحرارة الشديدة الجفاف، ما يؤدي إلى التشوه وفقدان المرونة.
وعندما يدخل الماء في هذه العملية، تتسارع عملية التدمير مرات عديدة. فالماء الذي يتغلغل في المسام الدقيقة للمادة يتجمد عندما تنخفض درجة الحرارة إلى ما دون الصفر، ويزداد حجمه بنحو 9%، فيعمل كإسفين داخلي يؤدي إلى تكسير البنية. وللأملاح تأثير مدمر مشابه: إذ تدخل، وهي مذابة في الماء، عميقًا في الحجر المسامي، وعندما يتبخر الماء تتبلور وتولد ضغطًا كبيرًا يؤدي إلى تقشر السطح وقد يصل إلى فقدان الطبقة السطحية للمعلم بالكامل.
الجفاف يهدد الأساسات والطبقات الأثرية
تخلق فترات الجفاف الطويلة نوعًا مختلفًا من المخاطر، لكنه لا يقل خطورة. فعندما تفقد التربة الطينية رطوبتها، ينخفض حجمها وتنكمش. وإذا لم يحدث هذا الهبوط تحت المبنى التاريخي بصورة متساوية، تبدأ الأساسات في الهبوط بمعدلات مختلفة، ما يؤدي إلى تشققات خطرة ويهدد قدرة المنشأة بأكملها على التحمل. وخلال فترات الجفاف أيضًا، تبحث جذور النباتات المحيطة بصورة أكثر كثافة عن الرطوبة، فتتجه نحو الأجزاء الموجودة تحت سطح الأرض من المباني وتلحق أضرارًا ميكانيكية بوصلات الملاط.
وتعد المواقع الأثرية شديدة الحساسية لهذه التغيرات. فقد ظلت القطع العضوية المصنوعة من الخشب أو العظام أو المنسوجات محفوظة لقرون داخل التربة الرطبة بفضل الظروف التي تخلو من الأكسجين الحر. لكن الانخفاض المفاجئ في مستوى المياه الجوفية وجفاف التربة يؤديان إلى دخول الأكسجين إلى هذه الطبقات، ما يسرع بصورة كبيرة التحلل الميكروبي والكيميائي للقطع الأثرية التي كانت مستقرة حتى ذلك الحين.
من يحمي التراث عندما تقع الكارثة المقبلة؟
عندما تصل مياه الفيضانات المفاجئة إلى موقع أثري، أو عندما تؤدي الفيضانات وزيادة الأمطار إلى تشبع منحدر غير مستقر تحت مجمع تاريخي بالمياه، يصبح النقاش حول الصلاحيات متأخرًا. من ينظف مجرى النهر؟ من يقيس استقرار الأرض؟ من يراقب الرطوبة في الجدار؟ من يقرر أن المبنى يواجه خطرًا مباشرًا، ومن أين يأتي تمويل التدخل العاجل؟ عند هذه الأسئلة تحديدًا، يتوقف تغير المناخ عن كونه مسألة تتعلق بالترميم فقط ويصبح قضية مؤسساتية مهمة.
يضع قانون التراث الثقافي في صربيا الإطار القانوني، لكن الحماية القانونية وحدها لا تضمن الحماية الفعلية على الأرض. هناك حاجة إلى علاقة عملية بين التشريعات والبيانات العلمية والسلطات المحلية والمجتمعات التي تعيش بالقرب من المواقع الثقافية.
وتتسم المخاطر المناخية بطابع محلي قوي. فالفيضانات المفاجئة في منطقة Rasina لا تترك الآثار نفسها التي يتركها الجفاف الطويل في مناطق أخرى من البلاد. ولهذا تؤدي السلطات المحلية دورًا أساسيًا في الكشف المبكر عن المخاطر. وتقترح الدراسة تطوير نظام أكثر تقدمًا للمراقبة المحلية وتشكيل نوع من «الدوريات البيئية» التي تربط بين مراقبة البيئة وحماية التراث. وتكمن أهميتها في وجودها الدائم على الأرض: فالسكان المحليون غالبًا ما يكونون أول من يلاحظ شقًا جديدًا أو انهيارًا أرضيًا أو تغيرًا في مجرى جدول أو تجمع المياه في مكان لم تكن تظهر فيه من قبل.
من إدارة المياه إلى التعاون متعدد التخصصات
تحدد خلاصة المخاطر الفيضانات المفاجئة والأخطار الهيدرومناخية باعتبارها من أكثر التهديدات المباشرة للتراث الثقافي في وسط صربيا وجنوبها. وينتج عن ذلك اقتراح عملي واضح: يجب أن تصبح إدارة المجاري المائية وتنظيف مجاري الأنهار بالقرب من المواقع التاريخية جزءًا أساسيًا من سياسة حماية التراث، وألا تظل مجرد مهمة من مهام الخدمات البلدية. وينطبق الأمر نفسه على التخطيط المكاني. إذ يجب أن تشمل تقييمات آثار مشاريع البنية التحتية الكبرى أيضًا مدى هشاشة الممتلكات الثقافية في المنطقة أمام المخاطر المناخية.
وتتطلب الحماية من المخاطر المناخية بيانات لا تأتي تقليديًا من جهة واحدة. فمؤسسات حماية الآثار تعرف القيمة التاريخية، والمؤسسات الجيولوجية تقيّم استقرار الأرض، وخبراء الأرصاد الجوية يتابعون الظواهر المتطرفة، بينما تدير السلطات المحلية المجال والأنظمة الخدمية. وإذا عمل كل طرف بمعزل عن الآخرين، تبقى المخاطر في الفراغ القائم بين الاختصاصات. ولهذا تقترح الدراسة نموذجًا متعدد التخصصات تصبح فيه حماية التراث جزءًا لا يتجزأ من سياسة وطنية أوسع للتكيف مع تغير المناخ، إلى جانب إنشاء صندوق خاص للتدخلات العاجلة حتى لا تتأخر الاستجابة أشهرًا بسبب الإجراءات البيروقراطية.
**التكنولوجيا في خدمة الحماية: أجهزة استشعار ذكية وتكنولوجيا النانو والأرشيفات الرقمية **
إلى جانب الإصلاحات المؤسساتية، تحلل الدراسة بالتفصيل الحلول التقنية والتكنولوجية التي تسمح بالانتقال من الترميم المتأخر إلى الحماية الوقائية.
أجهزة استشعار إنترنت الأشياء ومراقبة المناخ المحلي: يمكن لأجهزة استشعار لاسلكية صغيرة تُثبت داخل بنية المبنى أن تقيس باستمرار الرطوبة النسبية ودرجة الحرارة وتركيز الملوثات والحركات الدقيقة للغاية في الشقوق. وتُجمع البيانات في الوقت الحقيقي، ما يسمح لخبراء الترميم بتلقي تحذير تلقائي بمجرد تجاوز القيم الحدود الحرجة، قبل وقت طويل من أن تصبح الأضرار مرئية بالعين المجردة. النمذجة المناخية المحلية: لا يمكن التخطيط للحماية استنادًا إلى متوسط درجات الحرارة على مستوى الدولة بأكملها. فالنمذجة على مستوى مبنى محدد تجمع بين البيانات الجوية المحلية وجيولوجيا الموقع والخصائص المحددة للمواد المستخدمة، ما يوفر تقديرًا أكثر دقة لنقاط الخطر المستقبلية. تكنولوجيا النانو والمواد المنفذة لبخار الماء: تُستخدم طلاءات حديثة طاردة للماء قائمة على السيلان والسيلوكسان لحماية الحجر والواجهات من الرطوبة. فهي تمنع دخول الماء السائل من الخارج، مع الحفاظ على نفاذية بخار الماء، ما يسمح للجدار بأن «يتنفس» ويمنع احتجاز الرطوبة داخله. ولتقوية الحجر المتدهور من الداخل تُستخدم سيليكات الإيثيل ومواد نانوية تعزز بنيته الداخلية من دون تغيير المظهر الأصلي للمعلم. التكيف السلبي والتوائم الرقمية: تشير الدراسة أيضًا إلى أهمية إعادة تشغيل أنظمة التهوية الطبيعية التقليدية التي أُغلقت في كثير من المباني التاريخية بسبب تعديلات لاحقة. وأخيرًا، يُستخدم المسح ثلاثي الأبعاد والتصوير المساحي كخط دفاع أخير. فمن خلال إنشاء «توائم رقمية» دقيقة يمكن حفظ بيانات تفصيلية عن هندسة المبنى وبنيته، ما يوفر توثيقًا علميًا ويسمح بإعادة بناء دقيقة في حال وقوع أضرار جسيمة.
التراث جزء من السياسة المناخية
غالبًا ما تُناقش السياسة المناخية بلغة الطاقة والزراعة والنقل والغابات، بينما يمكن أن يتراجع التراث الثقافي بسهولة إلى أسفل قائمة الأولويات. وتسعى هذه الدراسة إلى إخراجه من هذا الموقع عبر إظهار أن المعالم الثقافية لا تُحمى فقط عندما يصل خبير ترميم لإصلاح حجر متضرر.
تبدأ حماية التراث الثقافي قبل ذلك بكثير: في البيانات الجوية، وفي مجرى نهر جرى تنظيفه، وفي جهاز لقياس الرطوبة تم تركيبه في الوقت المناسب، وفي بند مخصص داخل الميزانية، وفي قرار تتخذه السلطة المحلية للتحرك بينما لا يزال هناك ما يمكن إنقاذه.

التعليقات