في السنوات الأولى التي أعقبت الحرب الباردة، بدت الإجابة شبه واضحة. كان الاتحاد السوفيتي قد اختفى، وكانت الولايات المتحدة تمتلك قوة عسكرية واقتصادية وسياسية من دون قوة عالمية مكافئة قادرة على موازنتها. كان الدولار في قلب النظام المالي الدولي، وكانت شركات التكنولوجيا الأمريكية تصنع جزءاً كبيراً من المستقبل الرقمي، بينما امتدت شبكة التحالفات الأمريكية من أوروبا إلى شرق آسيا.

ذلك العالم لم يعد موجوداً بالشكل نفسه.

لكن الصين لم تأتِ ببساطة لتجلس مكان الولايات المتحدة.

وفق بيانات صندوق النقد الدولي الصادرة في أبريل 2026، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للولايات المتحدة نحو 32.38 تريليون دولار، مقابل نحو 20.85 تريليون للصين، وحوالي 23.03 تريليون للاتحاد الأوروبي ككل.

لا تزال الولايات المتحدة صاحبة أكبر إنفاق عسكري في العالم. وتسيطر الصين على أجزاء ضخمة من الإنتاج العالمي وسلاسل التوريد الاستراتيجية. ويمتلك الاتحاد الأوروبي سوقاً قادرة على تغيير طريقة عمل الشركات متعددة الجنسيات. أما روسيا فتمتلك قدرات عسكرية ونووية تمنحها وزناً جيوسياسياً أكبر بكثير مما يوحي به حجم اقتصادها. وفي الوقت نفسه، ترفض الهند بصورة متزايدة فكرة أن عليها أن تنتمي بشكل دائم إلى معسكر قوة كبرى أخرى.

لم تنتقل القوة ببساطة من واشنطن إلى بكين.

بل تفرقت.

القوة لم تعد شيئاً واحداً

هناك القوة العسكرية، والمالية، والصناعية، والطاقة، والتكنولوجيا، والقوة التنظيمية.

وهناك السيطرة على المواد الخام والبنية التحتية وطرق التجارة والتقنيات التي يعتمد عليها الآخرون.

يمكن لدولة أن تكون ضعيفة نسبياً في مجال ما، وأن تكون شبه مستحيل الاستغناء عنها في مجال آخر.

يمكن أن تمتلك حاملات طائرات، لكنك تعتمد على معادن تتم معالجتها في قارة أخرى.

يمكن أن تمتلك اقتصاداً هائلاً، لكنك تحتاج إلى موافقة 27 حكومة لاتخاذ قرار موحد في السياسة الخارجية.

ويمكن أن يكون اقتصادك أصغر بكثير من اقتصاد خصومك، بينما تمتلك ترسانة نووية قادرة على تغيير الحسابات الأمنية لقارة كاملة.

لهذا لم يعد هناك جواب واحد عن سؤال: من هي أقوى دولة في العالم؟

الأمر يعتمد على نوع القوة التي نقيسها.

أمريكا لم تفقد قوتها. فقدت احتكارها.

منذ عقود تتكرر التوقعات عن تراجع الولايات المتحدة.

لكن الأرقام لا تظهر دولة توقفت عن كونها قوة عظمى.

وفق SIPRI، أنفقت الولايات المتحدة نحو 954 مليار دولار على الجيش في 2025، مقابل نحو 336 مليار دولار للصين و190 ملياراً لروسيا.

لكن ربما لا تكمن أهم ميزة أمريكية في الجيش.

بل في الدولار.

في نهاية 2025، شكّل الدولار الأمريكي 56.77% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية المعلنة، مقابل 20.25% لليورو و1.95% فقط للرنمينبي الصيني.

انخفضت حصة الدولار على المدى الطويل.

لكن انخفاض الحصة لا يعني أن هناك بديلاً قادراً على أخذ مكانه.

حتى الآن، لا يوجد مثل هذا البديل.

كما تمتلك الولايات المتحدة شبكة واسعة من التحالفات والمؤسسات المالية والشركات التكنولوجية والعلاقات السياسية لا تملك الصين ما يماثلها بالحجم نفسه.

لذلك فإن ما يحدث ليس «نهاية أمريكا».

إنه نهاية المرحلة التي لم يكن فيها تقريباً أي طرف قادراً على تحدي ركائز محددة من القوة الأمريكية بجدية.

الصين لا تحتاج إلى حكم العالم لكي يعتمد العالم عليها

تبدو القوة الصينية بصورة مختلفة.

نراها أقل في القواعد العسكرية وأكثر في المصانع والموانئ والبطاريات والآلات والإلكترونيات.

بلغت صادرات الصين من السلع نحو 3.77 تريليون دولار في 2025، ومثلت في المتوسط نحو 14.4% من قيمة صادرات السلع العالمية خلال السنوات الثلاث السابقة.

لكن موقع الصين داخل سلاسل الإنتاج أهم من حجم الصادرات وحده.

وفق وكالة الطاقة الدولية، تستحوذ الصين على نحو 60% من الإنتاج العالمي المستخرج من العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في المغناطيس، وأكثر من 90% من عمليات تكريرها، وما يقارب 95% من إنتاج المغناطيس الدائم.

هذه المواد أساسية للسيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والروبوتات والإلكترونيات وأجزاء من الصناعات الدفاعية.

وهذا يعني أن القوة الجيوسياسية لم تعد تحتاج دائماً إلى السيطرة المباشرة على أراضي الآخرين.

أحياناً يكفي أن تسيطر على شيء لا يستطيع اقتصاد الطرف الآخر الاستغناء عنه بسرعة.

لكن الصين ليست أمريكا الجديدة

تراجع اللحظة الأحادية القطبية الأمريكية لا يعني تلقائياً قيام هيمنة صينية.

السياسة الدولية ليست سباق تتابع تسلم فيه دولة الراية إلى أخرى.

تمتلك الصين قاعدة صناعية ضخمة وثاني أكبر إنفاق عسكري في العالم وقدرات تكنولوجية متنامية. وقد نشر المخترعون في الصين أكثر من 43 ألف عائلة براءات اختراع مرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي خلال عامي 2024 و2025 وحدهما.

لكن الدور الدولي للرنمينبي لا يزال بعيداً جداً عن الدولار.

وشبكة التحالفات العسكرية الرسمية للصين أضيق بكثير من شبكة الولايات المتحدة.

يمكن للصين أن تهيمن على قطاعات مهمة من الإنتاج العالمي من دون أن تصبح نسخة جديدة من الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي.

ربما نبحث عن القوة المهيمنة التالية في اللحظة نفسها التي يصبح فيها النظام الدولي أقل قابلية لوجود قوة مهيمنة واحدة.

الاتحاد الأوروبي: موارد هائلة ومراكز قرار متعددة

يمثل الاتحاد الأوروبي مفارقة جيوسياسية واضحة.

يبلغ حجم اقتصاده الاسمي المشترك نحو 23 تريليون دولار وفق التقديرات الحالية لصندوق النقد الدولي.

كما يمتلك سوقاً استهلاكية ضخمة.

الشركات العالمية التي تريد الوصول إلى هذه السوق يجب أن تتكيف مع القواعد الأوروبية المتعلقة بالمنافسة والخصوصية والخدمات الرقمية وحماية المستهلك.

هذه قوة تنظيمية حقيقية.

لكن الاتحاد الأوروبي ليس دولة واحدة.

في مجالات رئيسية من السياسة الخارجية والأمنية المشتركة، لا تزال القرارات تتطلب عموماً إجماع الدول الأعضاء، مع وجود استثناءات محددة.

لذلك فإن مشكلة أوروبا ليست غياب الموارد.

المشكلة هي تحويل هذه الموارد بسرعة إلى إرادة سياسية واحدة.

بلغ الإنفاق العسكري في أوروبا نحو 864 مليار دولار في 2025، منها حوالي 559 مليار دولار للدول الأوروبية الأعضاء في الناتو.

أوروبا ليست بلا قوة.

لكن قوتها معقدة مؤسسياً.

روسيا تظهر لماذا لا يكفي الناتج المحلي الإجمالي

اقتصاد روسيا أصغر بكثير من اقتصاد الولايات المتحدة أو الصين أو الاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك تستطيع روسيا التأثير بصورة كبيرة في الأمن العالمي.

أنفقت نحو 190 مليار دولار على الجيش في 2025، أي ما يقارب 7.5% من ناتجها المحلي الإجمالي.

ووفق SIPRI Yearbook 2026، تمتلك روسيا والولايات المتحدة معاً قرابة 86% من جميع الرؤوس النووية في العالم.

تعتمد القوة الروسية إلى حد كبير على الإكراه والردع والقدرة على التعطيل.

لا تحتاج الدولة إلى القدرة على بناء نظام عالمي جديد حتى تكون قادرة على زعزعة النظام القائم.

الهند: قوة عدم الاضطرار إلى الاختيار

يمثل صعود الهند نموذجاً مختلفاً.

قد تكون ميزتها الأكبر أنها تصبح كبيرة بما يكفي لكي لا تضطر إلى الاختيار بين واشنطن وبكين.

احتلت الهند المرتبة الخامسة عالمياً في الإنفاق العسكري خلال 2025 بنحو 92.1 مليار دولار.

لكن أهميتها تتجاوز هذا الرقم بكثير.

يمكنها تعميق التعاون مع الولايات المتحدة، والحفاظ على علاقاتها مع روسيا، والتنافس مع الصين، والعمل مع دول الخليج، وفي الوقت نفسه الإصرار على موقع مستقل داخل الجنوب العالمي.

هذا ليس مجرد حياد.

إنه استقلال استراتيجي.

القوى المتوسطة لم تعد مجرد كومبارس

لا تستطيع تركيا والبرازيل والسعودية والإمارات وإندونيسيا وغيرها من القوى الإقليمية تنظيم النظام الدولي وحدها.

لكنها قادرة بصورة متزايدة على تعطيل أو تعديل خطط القوى الكبرى.

قد تعتمد دولة واحدة على شريك في الأمن، وعلى آخر في التجارة، وثالث في الطاقة، ورابع في الاستثمار.

هذا لا يلغي الاعتماد.

بل يجعله متعدد الاتجاهات.

ويمكن لهذا الاعتماد المتعدد أن يمنح الدولة مساحة أكبر للتفاوض.

لذلك قد لا يكون النظام الجديد عالماً بلا تبعية.

بل عالماً يجري فيه التفاوض باستمرار على شروط التبعية.

التكنولوجيا أصبحت أرضاً جيوسياسية

لم تعد الخرائط الجيوسياسية قادرة على الاكتفاء بالحدود والموانئ والقواعد العسكرية.

يجب أن تشمل مصانع أشباه الموصلات ومراكز البيانات والكابلات البحرية والأقمار الصناعية والبنية السحابية والذكاء الاصطناعي والمناجم ومنشآت معالجة المعادن الحرجة.

الرقاقة لم تعد مجرد منتج.

الخوارزمية لم تعد مجرد برنامج.

والمعدن لم يعد مجرد سلعة.

يمكن لكل منها أن يصبح أداة في السياسة الخارجية.

العولمة لم تختفِ.

لكنها أصبحت أكثر سياسية.

من يمتلك القوة فعلاً إذن؟

إذا كنا نبحث عن اسم واحد فقط، فنحن نطرح السؤال الخطأ.

تمتلك الولايات المتحدة أوسع مجموعة من أدوات القوة.

تمتلك الصين بنية صناعية ومواقع حاسمة في سلاسل التوريد.

يمتلك الاتحاد الأوروبي قوة سوقية وتنظيمية هائلة.

تمتلك روسيا قدرات عسكرية ونووية تتجاوز بكثير ما يوحي به حجم اقتصادها.

تزيد الهند نفوذها لأنها ترفض أن تُحاصر بصورة دائمة داخل معسكر قوة أخرى.

وتسيطر القوى الإقليمية على الطاقة واللوجستيات والأسواق والموارد والقرارات الدبلوماسية.

لا يمتلك أي طرف كل شيء.

وهذا هو جوهر النظام الجديد.

بالنسبة للدول الصغيرة، التعددية القطبية ليست حرية تلقائية

من منطقة البلقان، من السهل النظر إلى العالم متعدد الأقطاب بصورة رومانسية.

المزيد من مراكز القوة يبدو وكأنه يعني المزيد من الشركاء والمزيد من مساحة المناورة.

لكنه يعني أيضاً المزيد من الأطراف الخارجية التي تريد التأثير في قرارات الدول الصغيرة.

تصبح الاتصالات جيوسياسة.

وتصبح الطاقة جيوسياسة.

وتتحول المناجم والبنية التحتية والإعلام والتكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية إلى قضايا جيوسياسية.

بالنسبة لصربيا ودول غرب البلقان، فإن السؤال الجدي ليس ببساطة «الشرق أم الغرب؟».

السؤال هو مقدار الاستقلال السياسي الحقيقي الذي يمكن أن تمتلكه دولة تعتمد تجارتها وأمنها وطاقتها وتقنياتها واستثماراتها على عدة مراكز خارجية مختلفة.

قد توسع التعددية القطبية مساحة التفاوض.

لكنها قد تزيد أيضاً تكلفة الحساب الخاطئ.

وماذا عن حقوق الإنسان؟

من السهل أن يختفي البشر خلف أرقام الناتج المحلي والأسلحة والتكنولوجيا.

خلال فترة التفوق الغربي، امتلكت الولايات المتحدة وأوروبا تأثيراً غير متناسب على اللغة الدولية للديمقراطية وحقوق الإنسان والشرعية السياسية.

لكن هذا النظام لم يكن متسقاً يوماً.

طبقت الدول الغربية مبادئها بصورة انتقائية، وتعاونت مع أنظمة استبدادية عندما اقتضت مصالحها ذلك.

وهذا أضعف مصداقيتها بصورة خطيرة.

لكن الرد على المعايير المزدوجة لا يمكن أن يكون عالماً بلا معايير.

في نظام دولي متشظٍ، هناك خطر أن تتحول حقوق الإنسان إلى أداة أخرى في المنافسة الجيوسياسية.

سيتحدث كل معسكر عن انتهاكات خصومه، وسيكون أكثر هدوءاً تجاه انتهاكات شركائه.

قد لا تختفي حقوق الإنسان من الخطاب الدولي.

لكنها قد تبقى كشعار في كل مكان، بينما تضعف أكثر فأكثر كمعيار عالمي.

العالم ليس ما بعد أمريكي. إنه أكثر تعقيداً.

أمريكا لم تختفِ.

الصين لم تسيطر على الكوكب.

أوروبا ليست عاجزة.

روسيا غير قادرة على تنظيم النظام العالمي وحدها.

الهند لا تريد أن تكون تابعاً لأحد.

وجزء كبير من العالم لم يعد يريد الاختيار بين علمين.

ربما لا ندخل إذاً في قرن صيني.

ربما ندخل عصراً يصبح فيه من المستحيل أن يكون القرن ملكاً لقوة واحدة.

لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أدوات قوة عالمية أكثر من أي دولة منفردة.

لكن الصين تستطيع تحدي موقعها الصناعي.

وروسيا تستطيع تعطيل النظام الأمني.

وأوروبا تستطيع صياغة قواعد السوق.

والهند تستطيع رفض الاصطفاف.

والقوى الإقليمية تستطيع منح أو حجب الطاقة واللوجستيات والدعم السياسي.

قد لا يكون التغيير الأهم أن قوة ما أخذت العالم من قوة أخرى.

بل أن أحداً لم يعد قادراً على امتلاكه وحده.